محمد متولي الشعراوي
2960
تفسير الشعراوى
فلم يشأ الحق أن يقطع الصلة بأن يجعل الوسيلة الوحيدة للتطهر هي الماء ، فأوجد وسيلة أخرى . فإن فقدت الماء أيها الإنسان فلا بد أن تدخل إلى لقاء اللّه بنية تطهير آخر وهو التيمم . هذا أمر لا يفقده من عاش على الأرض . إذن فعندنا تطهّر بالماء وعندنا تطهّر بالتراب . لذلك يقول سبحانه : « وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً » فإن كان الإنسان مريضا لا يقدر على استعمال الماء ، أو كان على سفر ولا يجد الماء ؛ أو جاء أحد من الغائط ، أي من قضاء الحاجة في مكان غويط وهو الوطىء المنخفض من الأرض ، وكانت العرب قديما تفعل ذلك حتى لا يراهم أحد ويكونوا في ستر ، رجالا أو نساء ، وحتى بعد ملامسة النساء . إن لم يجد الإنسان بعدها ماء فالتيمم هو البديل ، وإياكم أن تقولوا إن الماء هو الوسيلة الوحيدة للتطهر ، فقد جعل للماء أيضا خليفة وهو التراب . والتراب أوسع دائرة من الماء . فكأنه سبحانه وتعالى يريد أن يديم علينا نعمة اللقاء به . ولكي يديم علينا نعمة اللقاء به جعل للماء - الذي يكون محصورا - خليفة وهو التراب وهو غير محصور . ولا نريد أن ندخل في متاهات الخلاف عن الطهارة من ملامسة النساء ، بين اللمس والملامسة ؛ فاللمس لا يقتضى المفاعلة ، أما الملامسة فتقتضى المفاعلة . واقتضاء المفاعلة ينقل المسألة من مجرد اللمس إلى معنى آخر هو الجماع . وفي حالة الجنابة وعدم وجود الماء فالتيمم هو البديل « فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً » و « الصعيد » هو ما صعد على وجه الأرض من جنس الأرض بحيث لا تدخله صناعة الإنسان كالتراب والحجر ، لكن الطوب الأحمر ( الاجر ) الذي نصنعه نحن فليس من الصعيد الصالح للتيمم ؛ لأن صنعة الإنسان قد دخلته . والأركان المفروضة في طهارة الأبعاض أربعة ، أما طهارة الجسم فهي طهارة واحدة تشمل كل الجسم . وفي حالة التيمم جعل الحق الطهارة استعدادا للصلاة عوضا عن الوضوء بمسح الوجه واليدين ، وكذلك في الطهارة من الجنابة . ونلحظ أنه سبحانه جاء بالمسح في الوضوء على بعض من الرأس كإيناس متقدم ، وذلك حتى يكون لنا إلف بالمسح حينما نتيمم .